وطنا اليوم- د.قاسم العمرو- منذ اليوم الأول لتكليف رئيس الوزراء جعفر حسان بتشكيل الحكومة، كان واضحاً أن مهمته الأساسية تتمثل في العمل على تنفيذ مضامين كتاب التكليف وما يتضمنه من أولويات وبرامج ورؤى وطنية، وذلك ضمن الإمكانات المتاحة والظروف السياسية والاقتصادية والإدارية التي تعمل الدولة في إطارها. ولذلك فإن الحكم على نجاح أي رئيس حكومة يجب أن ينطلق من مدى قدرته على تحويل هذه التوجيهات إلى سياسات وإجراءات ونتائج ملموسة، لا من حجم الرضا أو السخط الذي يبديه بعض الإعلاميين والكتاب.
وفي بلدنا الحبيب، تشكيل الحكومات واختيار الوزراء لا يخضع دائماً لمعايير مهنية خالصة أو لمحددات واضحة ومعلنة، فاعتبارات الجغرافيا والتوازنات الاجتماعية والمحاصصة بأشكالها المختلفة كانت وما تزال حاضرة في كثير من التشكيلات الحكومية، وهو ما قد يؤدي أحياناً إلى وصول وزراء لا يمتلكون الخبرة أو الكفاءة الكافية لإدارة وزاراتهم بالشكل الأمثل. ولذلك فإن تحميل رئيس الوزراء وحده مسؤولية الأداء المتفاوت لبعض الوزراء قد لا يكون تقييماً منصفاً للواقع.
بل إن المتابع للشأن العام يدرك أن بقاء الوزير في موقعه أو خروجه منه لا يرتبط دائماً بحجم الإنجاز الذي حققه أو مستوى كفاءته الإدارية. فهناك اعتبارات أخرى سياسية وإدارية واجتماعية قد تكون أكثر تأثيراً في اتخاذ القرار من معيار الإنجاز وحده، وهو أمر أصبح جزءاً من الثقافة السياسية والإدارية المتعارف عليها في الاردن
أما الحديث المتكرر عن إنتاجية الوزراء، فإنه يتجاهل حقيقة أساسية تتمثل في أن منصب الوزير في جوهره منصب سياسي أكثر منه منصباً تنفيذياً. فالوزير يقضي جزءاً كبيراً من وقته في الاجتماعات والتنسيق والاتصالات والواجبات العامة والمجاملات الرسمية، وفي كثير من الأحيان لا يمتلك خطة عمل محددة بمؤشرات أداء واضحة يمكن من خلالها قياس إنجازه بصورة دقيقة وعادلة.
ولهذا فإن إطلاق الأحكام السريعة على الأداء الحكومي دون النظر إلى طبيعة العمل الحكومي وتعقيداته قد يقود إلى استنتاجات بعيدة عن الواقعن ومن جهة أخرى، لا يمكن إنكار أن بعض العاملين في الحقل الإعلامي، شأنهم شأن العاملين في أي قطاع آخر، لديهم مصالحهم الخاصة وحساباتهم الشخصية فهناك من يسعى إلى لفت الانتباه واستقطاب الضوء الإعلامي، وهناك من يعتقد أن الضغط المستمر على المسؤولين قد يفتح له أبواباً أو يحقق له مكاسب مباشرة أو غير مباشرة،وفي مثل هذه الحالات يصبح من الصعب التمييز بين النقد المهني الصادق وبين المواقف التي تحركها المصالح الشخصية.
ومن هنا، فإن النصيحة التي يمكن تقديمها لرئيس الوزراء هي ألا ينشغل كثيراً بما يكتبه بعض أصحاب الغايات الخاصة، وألا يجعل من رضاهم معياراً لنجاحه أو فشله، فبعض هؤلاء يبالغون في الإشادة عندما تتحقق مصالحهم، ويبالغون في الهجوم عندما تتعثر تلك المصالح أو تتوقف ولذلك فإن الرهان الحقيقي يجب أن يبقى على العمل والإنجاز والأثر الذي يتركه القرار الحكومي في حياة المواطنين.
في النهاية لا يقاس نجاح الحكومات بعدد المقالات المؤيدة أو المعارضة ولا بحجم التصفيق الذي تحظى به في وسائل الإعلام، وإنما بالأثر الذي تتركه في الدولة والمجتمع بعد انتهاء ولايتها.
فالتاريخ لا يتذكر الضجيج بل يتذكر النتائج وكما يقول المثل الشعبي: “امشِ عدل يحتار عدوك فيك”. وعندما يكون المسؤول ملتزماً بواجبه وقادراً على الدفاع عن قراراته أمام الرأي العام، فإن حملات المديح أو الهجوم لن تغير من حقيقة ما أنجزه على أرض الواقع.

